تمهيد: رسالة راسل إلى فريجه تفتح سؤالا عن الأسس التي يقوم عليها الحساب.
في صباح من أيام يونيو عام 1902، كان كل شيء يبدو هادئا في مدينة يينا الألمانية. كان جوتلوب فريجه، أستاذ الرياضيات في جامعتها، قد أمضى سنوات طويلة من حياته يبني مشروعا طموحا؛ كان يحاول أن يُثبت أن الحساب كله، من الأعداد البسيطة التي نتعلمها في المدرسة إلى القوانين التي تقوم عليها، يمكن اشتقاقها من قوانين المنطق، وأن الرياضيات والمنطق ليسا علمين مستقلين، بل أحدهما يُفضي إلى الآخر.
وُلد فريجه سنة 1848 في مدينة فيسمار المطلة على بحر البلطيق. درس الرياضيات والفيزياء والفلسفة، ثم استقر في جامعة يينا، الجامعة نفسها التي سيقضي فيها حياته الأكاديمية كلها تقريبا، وقد كان أستاذا هادئا يدرّس الهندسة والتحليل والميكانيكا، ولم يكن نجما جماهيريا، ولا صاحب مدرسة يتزاحم حولها الطلاب.
كان المجلد الثاني من كتابه الضخم القوانين الأساسية للحساب Grundgesetze der Arithmetik قد اقترب من نهاية الطباعة، حين جاءه خطاب من شاب بريطاني اسمه برتراند راسل.
كتب راسل رسالته بالألمانية، تقديرا للعالم الألماني، وملأ مقدمتها بالاحترام والإعجاب، وقال إن عند فريجه أفضل معالجة دقيقة للمنطق يعرفها في عصره، ثم انتقل في هدوء إلى الجملة التي ستفسد كل شيء:
غير أنني واجهت صعوبة في نقطة واحدة.
نقطة واحدة فقط.
وكانت هذه النقطة كافية لأن يهتز الأساس تحت الكتاب كله.
وجهان لعملة واحدة
في سنة 1879، أي قبل ثلاثة وعشرين عاما، كان فريجه قد نشر كتابا صغيرا اسمه الكتابة المفهومية Begriffsschrift. العنوان الألماني يعني، تقريبا، “كتابة المفاهيم”، وهو - كما يبدو من اسمه - يهدف إلى إنشاء لغة للتعبير عن التفكير والمنطق بما يشبه الصيغ والمعادلات الحسابية، وكان منطقه مرسوما بخطوط أفقية ورأسية غريبة حتى إن الصفحة تبدو للقارئ كأن مهندس سكك حديدية حاول كتابة الفلسفة. لم تعش الرموز نفسها، لكن الفكرة التي تحملها عاشت؛ فللمرة الأولى صار من الممكن التعبير بدقة عن جمل منطقية مثل “لكل عدد، عدد أكبر منه”، وعن العلاقات المتداخلة بين الأشياء. ومع ذلك، فقد لقي الكتاب اهتماما ضئيلا، حيث كانت رموزه غير مألوفة، ومشروعه أبعد من أن يبدو نافعا لمعظم الرياضيين.
ثم نشر سنة 1884 أسس الحساب، وشرح فيه فلسفيا لماذا يظن أن العدد يمكن رده إلى المنطق، وبعده جاء المجلد الأول من القوانين الأساسية للحساب سنة 1893، وفيه بدأ التنفيذ الصوري الطويل. لم يحظ هذا هو الآخر بما رجاه صاحبه؛ لقد عاش فريجه سنوات يبني أداة ستغيّر المنطق، في وقت لم يكن معظم زملائه يرون حتى لماذا يحتاجون إليها.
أما صاحب الرسالة فكان مختلفا تماما؛ فقد وُلد برتراند راسل سنة 1872 - أي أنه أصغر من فريجه بأربعة وعشرين عاما - في أسرة أرستقراطية بريطانية، وفقد والديه صغيرا، ونشأ في بيت جدته. ثم دخل جامعة كامبريدج ليدرس الرياضيات، ثم انتقل بين الرياضيات والفلسفة والسياسة حتى صار لاحقا واحدا من أشهر مثقفي القرن العشرين: كتب في المنطق والمعرفة والأخلاق والحرب والتعليم، ودخل السجن بسبب نشاطه المناهض للحرب، وحصل في آخر حياته على جائزة نوبل في الأدب.
لكن راسل الذي كتب إلى فريجه لم يكن بعدُ ذلك الشيخ الشهير. كان في التاسعة والعشرين، غارقا في سؤال أساس الرياضيات، ويحاول أن يجد لغة تنظّم فوضى الأفكار التي تراكمت أمامه. وفي مؤتمر للفلسفة عُقد في باريس سنة 1900 شاهد عالم الرياضيات الإيطالي جوزيبي بيانو يناقش خصومه بلغة رمزية مقتصدة ودقيقة. قال راسل لاحقا إن اللقاء كان نقطة تحول في حياته الفكرية؛ فقد بدا له أن تفوق بيانو في النقاش لم يكن سرعة بديهة فقط، بل نتيجة امتلاكه أداة تحليل لا تسمح للألفاظ أن تتلوّن في منتصف الحجة.
عاد راسل من باريس، درس رموز بيانو وأعماله، ثم اندفع إلى مشروعه الخاص. وأثناء عمله، في ربيع سنة 1901، اصطدم بالتناقض الذي سيحمل اسمه “مفارقة راسل”. احتاج الأمر عاما تقريبا قبل أن يكتشف أن عالما ألمانيا قليل الشهرة بنى مشروعا كاملا تقع المفارقة في قلبه. وعندئذ لم يكتب راسل إلى خصم، بل إلى رجل أدرك أنه كان يسير في الطريق نفسه قبله بسنوات.
لهذا تحمل الرسالة شيئا من الإعجاب الحقيقي وشيئا من الرهبة؛ الشاب الذي وجد الصدع كان يعرف أنه يكتبه إلى واحد من الأشخاص القلائل القادرين على فهم عمقه فورا.
ماذا كان فريجه يحاول أن يفعل؟
لنترك الرسالة على مكتب فريجه قليلاً، ونرجع خطوة إلى الوراء؛ لأننا لن نفهم حجم المصيبة قبل أن نعرف ما المبنى الذي أصابته.
تخيل أنني سألتك: ما العدد ثلاثة؟
قد تشير إلى ثلاث تفاحات، أو ترفع ثلاثة أصابع، أو ترسم ثلاث نقاط على الورق. لكن التفاحات ليست هي العدد ثلاثة؛ لأننا إذا أكلناها فلن يختفي العدد من الرياضيات، وأصابعك ليست العدد ثلاثة، والنقاط ليست العدد ثلاثة، هذه أشياء عددها ثلاثة، أما العدد نفسه فشيء آخر.
فهل العدد فكرة نفسية داخل العقل؟ لو كان كذلك، لصار لكل إنسان عدد ثلاثة خاص به، وربما مات العدد حين يموت آخر من يفكر فيه. إذن هل هو علامة نكتبها على الورق؟ غالبا لا، إن الرمز العربي ٣، والرمز الغربي 3، والكلمة “ثلاثة” علامات مختلفة تشير إلى العدد نفسه.
كان فريجه إذن يريد تعريف الأعداد تعريفا منطقيا موضوعيا دقيقا، ثم اشتقاق قوانينها خطوة خطوة من المنطق، لأنه رأى أن المنطق هو ما يمكن أن يتجاوز اختلاف الأفهام، والأشياء، والرموز، ليعطينا تعريفا واحدا ثابتا للأعداد، عند كل البشر، وفي كل الأزمنة والظروف. وهذا هو المذهب الذي سُمّي لاحقا المنطقية Logicism: أن مفاهيم الحساب يمكن تعريفها منطقيا، وأن مبادئه يمكن البرهنة عليها من قوانين المنطق وحدها.
من أين جاءت المنطقية؟
لم تنزل الفكرة على فريجه فجأة، فقبل ذلك بقرنين تقريبا، حلم لايبنتس بلغة رمزية عامة يستطيع الناس أن يحوّلوا بها خلافاتهم إلى حساب؛ فبدل أن يتجادل اثنان إلى ما لا نهاية، يضعان التعريفات على المائدة ويقول أحدهما للآخر: لنحسب. لكن لايبنتس لم يملك المنطق اللازم لتحقيق هذا الحلم، غير أنه ترك السؤال مفتوحا للاحقيه.
وفي القرن التاسع عشر حدث شيء شجّع على أخذه بجدية؛ كانت فروع الرياضيات تبدو مستقلة تماما عن بعضها البعض، ثم بدأ الرياضيون يردون بعضها إلى بعض؛ فمثلا، أعاد فايرشتراس وديديكند وكانتور بناء أجزاء من التحليل والأعداد غير النسبية بوسائل حسابية ومجموعاتية أدق، وصاغ بيانو عددا قليلا من المبادئ يصف الصفر، والعدد الطبيعي، و“الخلَف”؛ أي الانتقال من عدد إلى العدد الذي يليه. وقد بدا حينها كأن برجا كبيرا من الرياضيات يمكن أن يستقر فوق طابق صغير اسمه الحساب.
لكن فريجه سأل: وعلى أي أرض يقف هذا الطابق؟
إذا استطعنا رد التحليل إلى الحساب، ثم استطعنا رد الحساب نفسه إلى المنطق، فلن تبقى الرياضيات مجموعة حقائق منفصلة نحفظها. ستصبح شجرة ترجع فروعها الكثيرة إلى جذور قليلة واضحة، ولم يكن هدف المنطقيين من ذلك مجرد أن يقولوا أن الرياضي الجيد يفكر بطريقة منطقية؛ فكل حجة سليمة تحتاج المنطق بهذا المعنى الواسع. بل كانت المنطقية تزعم شيئين أقوى بكثير: 1- أن كلمات الحساب الأساسية؛ مثل العدد والصفر والخلف، يمكن تعريفها بكلمات منطقية، و 2- أن قوانين الحساب بعد ترجمتها بهذه التعريفات، يمكن اشتقاقها من قوانين منطقية.
أي إننا لا نستخدم المنطق أداةً خارجية لفحص الرياضيات فقط؛ نحاول أن نثبت أن مادة الحساب نفسها منطق متنكر في ثياب الأعداد.
ولهذا كان تعريف العدد أهم من إجراء العمليات عليه، فالطفل يعرف أن ثلاث تفاحات مع تفاحتين تصير خمس تفاحات، لكن مشروع الأساس يسأل سؤالا أكثر عمقا؛ ما الذي يجعل كل ثلاثيات العالم - ثلاث تفاحات، وثلاث نغمات، وثلاث أفكار - تشترك في عدد واحد اسمه ثلاثة؟ وما معنى أن يكون شيئان متساويين في العدد؟ وكيف نصل من هذه التعريفات وحدها إلى الحساب الذي نعرفه؟
ولهذا لم يكن كتاب فريجه مجموعة عمليات حسابية طويلة، بل لغة صورية كاملة؛ أي رموزا محددة، وقواعد تكوين، وقوانين أساسية، وسلاسل من البراهين، فقد كان يريد بناء الحساب بحيث يستطيع أي إنسان مراجعة كل خطوة فيه، فلا تختبئ في البناء قفزة من الحدس أو افتراض لم يُعلَن.
ما النظام الصوري أصلا؟
كلمة نظام صوري Formal System أو نظام شكلي، تبدو شيئا معقدا، لكن في الحقيقة فكرتها الأساسية بسيطة؛ تخيل لعبة شطرنج، قبل أن تبدأ المباراة، نحتاج أربعة أشياء:
- قطع مسموح بها؛ وفي النظام الصوري تكون هذه هي الرموز.
- قواعد تخبرنا أي ترتيبات للقطع قانونية؛ وفي اللغة الصورية تسمى قواعد التكوين.
- أوضاع نبدأ منها؛ وفي النظام تسمى البديهيات أو المسلمات أو القوانين الأساسية.
- حركات مسموح بها تنقلنا من وضع إلى آخر؛ وفي النظام الصوري تسمى قواعد الاستدلال.
المفهوم والامتداد
منذ قرون لاحظ الفلاسفة أن للكلمة وجهان: ما تقوله، وما تنطبق عليه.
في القرن السابع عشر ظهرت تفرقة بين “المعنى” الذي في الذهن، والأشياء التي تدل عليها الكلمة. ثم استخدم جون ستيوارت مِل كلمتي: الدلالة الضمنية والدلالة المباشرة، وفي فلسفة القرن العشرين استقرت كلمتان: المعنى (أو المفهوم)، والامتداد (أو المصداق).
يختلف الفلاسفة في التفاصيل، لكن الفكرة العامة بسيطة:
- المعنى: ماذا تقول الكلمة؟
- الامتداد: على مَن تنطبق؟
ومثال ذلك، إذا قلنا “حيوان له قلب” و“حيوان له كليتان”، فالمعنى مختلف، فالقلب ليس الكلية. لكن إن كان كل حيوان له قلب له كليتان والعكس، فالكلمتان تنطبقان على الحيوانات نفسها، إذن المعنى يختلف هنا، ولكن الامتداد واحد.
ولهذا يمكن أن يكون لكلمتين الامتداد نفسه مع اختلاف المعنى. “كاتب هاملت” و“كاتب ماكبث” تدلان على الشخص نفسه، لكن معرفتك بمعنى الأولى وحدها لا تكفي لتعرف أنه هو كاتب الثانية. الشخص واحد، لكن طريق الوصول إليه مختلف.
الفرق بين الشيء ومفهومه
زاد فريجه التفرقة حدة، فكان يقسم ما نتحدث عنه إلى أشياء ودوال، ويعامل المفهوم بوصفه نوعا من الدوال.
والدالة قد تبدو كلمة حسابية، لكنها تعني هنا آلة لها خانة فارغة. لو كتبنا مثلا:
___ عدد أولي أصغر من خمسة.
فهذه ليست جملة كاملة بعد، بل فيها مكان ينتظر شيئا. ضع مثلا العدد 2 فتصير جملة صادقة، وضع 8 فتصير جملة كاذبة، ولذلك وصف فريجه المفهوم بأنه “غير مشبع” أي لا يكتمل وحده، بل يحتاج حجة تدخل في خانته، ثم يمكنك حينئذ أن تحكم على الجملة بأكملها بالصدق أو الكذب. إذن المفهوم يرسل كل شيء نجربه إلى واحدة من قيمتي الصدق: الصادق أو الكاذب.
أما العدد 2، أو فريجه، أو هذه الطاولة، فكل منها شيء مكتمل يمكن أن نضع اسمه في الخانة. الشيء لا ينتظر حجة أخرى كي يكتمل.
وبذلك ندرك أن المفهوم نفسه ليس شيئا، لكن فريجه ربط بكل مفهوم شيئا هو امتداده. فالمفهوم “___ عدد أولي أصغر من خمسة” هو آلة تصنف المدخلات وتعطيها إما قيمة “صادق” أو قيمة “كاذب”؛ أما امتداده فهو مجموعة أو نطاق مكتمل يسجل الأشياء التي أعطتها الآلة القيمة “صادق”.
ويمكننا تشبيه الفرق بموظف الأمن عند البوابة وقائمة أو دفتر يسجل فيه أسماء الذين سمح لهم بالدخول، الموظف (أي الدالة أو المفهوم) يختبر كل قادم وفق شرط ما؛ والدفتر (أي الأشياء) موضوع على المكتب ويحتوي أسماء كل من سمح لهم بالدخول بالفعل لأنهم حققوا الشرط.
هذه النقلة من مفهوم غير مكتمل إلى شيء مكتمل هي التي احتاجها فريجه لتعريف الأعداد. وهي أيضًا الجسر الذي عبرت منه المفارقة.
القانون الخامس عند فريجه
القانون الخامس عند فريجه هو قاعدة تقول متى تكون عندك قائمتان صنعهما شرطان مختلفان، لكنهما في الحقيقة قائمة واحدة فقط، هي نفسها.
لكي نفهم القانون الخامس، لنضرب مثالا:
لدينا مثلا أولاً مفهوم نسميه “عدد أولي أصغر من خمسة”، والأشياء التي ينطبق عليها هذا المفهوم هي العددان 2 و3.
ولدينا مفهوم آخر هو “قاسم موجب للعدد ستة، أكبر من واحد وأصغر من ستة”، والأشياء التي ينطبق عليها هذا المفهوم هي أيضًا العددان 2 و3.
المفهومان مختلفان في المعنى؛ فأحدهما يتحدث عن الأعداد الأولية، والآخر عن قواسم العدد ستة، لكنهما يلتقطان الأشياء نفسها بالضبط، ولا يوجد شيء يحقق المفهوم الأول ولا يحقق الثاني، ولا العكس.
كان فريجه يسمي المجموعة الكاملة للأشياء التي يصدق عليها مفهوم ما امتداد المفهوم Extension of a Concept، وبذلك يكون للمفهومين السابقين امتداد واحد، هو ما نكتبه اليوم على الشكل:
{2، 3}
ويقول القانون الخامس، بصياغة مبسطة: إن امتداد مفهومين يكون واحدا إذا وفقط إذا كان المفهومان يصدقان على الأشياء نفسها.
وينبغي أن نلاحظ أنه قانون عن هوية الامتدادات أي ما هي هذه الأشياء بالضبط، وليس عن تشابه معاني المفاهيم، أو بصيغة أخرى، القانون الخامس يحاول أن يقول ببساطة أنه قد يصل طريقان مختلفان إلى المدينة نفسها بالضبط؛ والمهم هنا أين انتهيا، لا ماذا رأينا في الطريق.
إذا كان كل ما يندرج تحت المفهوم “ف” يندرج تحت المفهوم “ج”، وكل ما يندرج تحت “ج” يندرج تحت “ف”، فامتدادهما واحد. وإذا اختلفا في شيء واحد، اختلف الامتدادان.
يبدو هذا طبيعيا وبديهيا جدا؛ إذا كانت قائمتان تضمان الأعضاء أنفسهم تماما، فهما في الحقيقة القائمة نفسها، ما المشكلة إذن؟
لكن القانون الخامس لم يكن يعمل منفردا، ففي داخل منظومة فريجه، هناك أيضا قواعد أخرى؛ مثل قاعدة تسمح بتكوين مفهوم من كل شرط يمكن التعبير عنه في اللغة، بمعنى أنك إذا كنت تستطيع أن تصف في لغتك شرطا يقول “أن يكون الشئ أحمر اللون”، فقد أصبح لديك مفهوم يقول:
___ شئ أحمر اللون.
وهناك قاعدة تقول أن لكل مفهوم امتدادا يُعامل كأنه شيء أو كيان قائم بذاته، بمعنى أنه إذا كان لديك مفهوم يقول: ___ شئ أحمر اللون.، فإن هنالك بالتأكيد مجموعة تتكون من:
{شيء أحمر، شيء أحمر، ...... الخ}
ومن اجتماع هذه المكونات أمكن اشتقاق فكرة خطيرة:
لكل شرط محدد، يوجد امتداد يحتوي على كل الأشياء التي تحقق هذا الشرط، ولا يحتوي على غيرها.
إنها آلة ممتازة لصناعة المجموعات، أعطها شرطًا مثل “عدد زوجي”، فتعطيك امتداد الأعداد الزوجية، أو أعطها “كوكب يدور حول الشمس”، فتعطيك امتداد كواكب المجموعة الشمسية، أو أعطها أي مفهوم، فترد عليك بشيء يجمع كل ما يقع تحته.
الاستيعاب ليس الفهم
يسمي المناطقة المبدأ الذي ينقلنا من شرط إلى مجموعة مبدأ الاستيعاب Comprehension Principle، وكلمة “استيعاب” هنا ليست بمعنى الفهم، مثل أن نقول: أن الطالب فهم الدرس، بل معناها أن المجموعة تستوعب أو تضم كل شيء يحقق الشرط.
ونكتب هذا المبدأ في اللغة الحديثة بهذا الشكل:
لكل شرط ص(س)، توجد مجموعة أ بحيث يكون س عضوا في أ إذا وفقط إذا حقق ص(س).
إذا كان الشرط “س عدد زوجي”، حصلنا على مجموعة الأعداد الزوجية. وإذا كان “س قط يعيش في القاهرة”، حصلنا — من حيث المبدأ — على مجموعة تلك القطط، حتى لو لم نعرف أسماءها واحدا واحدا.
وصحيح أنه لا توجد في كتاب فريجه جملة مطبوعة ببساطة تقول “لكل شرط مجموعة” بالصورة الحديثة، لكن قواعد تكوين المفاهيم عنده، مع القانون الخامس الذي يمنح المفاهيم امتدادات، أديا إلى اشتقاق صورة غير مقيدة من الاستيعاب، فأصبحت المشكلة في الخليط كله: شرط كيفما كان، ثم امتداد يعامل كشيء، ثم قدرة اللغة على جعل هذا الشيء نفسه موضوعا لشرط جديد.
لكن ماذا لو أعطينا الآلة شرطًا يتحدث عن الامتدادات نفسها؟
هنا جاء راسل بنقطته الواحدة.
التالي: ننتقل إلى مشروع فريجه ونرى كيف قادت قواعده إلى مفارقة راسل. الجزء الثاني
